عبد الملك الجويني
51
نهاية المطلب في دراية المذهب
منعوا من الإعادة ؛ فإن الإعادة ظاهرة ، فإذا لم يكن من الانهدام بد ، فلا وجه إلا أن يبنوا جداراً داخل البيعة ، ثم قد يفضي هذا إلى أن يبنوا جداراً ثالثاً إذا ارتج الثاني ، وهكذا إلى أن تفنى ساحة البيعة ، وهذا إفراط لا حاصل له ، ولست أدري ما يقول هذا القائل إذا أمكن نقض الجدار وإعادته ليلاً ، ولا تفريع على الضعيف . فإن فرعنا على الصحيح وجوزنا العمارة إعلاناً ، فلو انهدمت الكنيسة ، فهل يجوز إعادتها كما كانت ؟ فيه وجهان مشهوران : أحدهما - المنع ؛ لأن هذا استحداث كنيسة . والثاني - الجواز ؛ لأنها وإن انهدمت فالعرصة كنيسة ، والتحويط عليها هو الرأي حتى يستتروا بكفرهم ، فإن منعنا إعادة الكنيسة ، فلا كلام ، وإن جوزنا إعادتها ، فهل لهم أن يزيدوا في خِطتها ؟ فعلى وجهين : أصحهما - المنع ؛ لأن الزائد كنيسة جديدة ، [ وإن كانت متصلة بالأولى والتفريع فيه إذا كان لا يجوز لهم استحداث كنيسة جديدة ] ( 1 ) . وإن بقيناهم على كنيستهم ، فالمذهب أنا نمنعهم من ضرب النواقيس ، فإن هذا بمثابة إظهار الخمور والخنازير ، وأبعد بعض الأصحاب فقال : يجوز تمكينهم من ضرب النواقيس ؛ فإنها من أحكام الكنيسة ، وهذا غلط لا يعتد به . ولو وقع الشرط على أن تكون رقاب الأبنية في البلدة وعرصاتها لهم ، فلا يمنعون من ضرب النواقيس ، وإظهار الخمور والخنازير في مثل هذه البلدة ؛ فإنها بحكمهم ، ولو كان يخالطهم المسلمون ، لم يكن لهم أن يعترضوا عليهم ، والبلدة في الجملة والتفصيل بمثابة دار الذمي في بلاد الإسلام ، ولا يخفى أنه لا يجب البحث - بل لا يجوز - عما يتعاطَوْن في دورهم ، قال صاحب التقريب : لا يكلفون الغيار في البلدة التي وصفناها ، والأمر على ما قال ، وقد فُتحت قرى الشام صلحاً على أن تكون لأهلها ، فكانوا يظهرون النواقيس في زمن معاوية وجرت له قصة مشهورة .
--> ( 1 ) زيادة من ( ه 4 ) .